الرئيسية » إدارة واقتصاد , تسويق وإعلام » افعل خيراً واشتر من “تومز”!

افعل خيراً واشتر من “تومز”!

أتساءل أحياناً، ما هو السرّ العظيم الذي جعل أحذية تومز (TOM’S) تبرز كواحدة من أبرز علامات الأحذية في العالم في فترة قصيرة جداً، تومز التي أسسها بلاك مايكوسكي عام 2006 واستطاع حينها بيع قرابة الـ40 ألف زوجاً من الأحذية، وتمكن بعدها بثلاثة أعوام (في 2009) من بيع أكثر من 300 ألف حذاء!

ما الذي يجعل بعض الأفراد يستهلكون هذه الأحذية بلا هوادة أحياناً؟ ما هو سرّها العظيم؟

كمدخل، نحتاج إلى النظر إلى العلامة التجارية الخاصة بـ”تومز” بالمجمل، أو تحديداً لنموذج الأعمال (Business Model) الذي ابتكره مايكوسكي، والمعروف بمصطلح “One For One”، أو واحد لواحد، أو بمعنى أوضح: مقابل كل زوج أحذية تشتريه من تومز، سنقوم بالتبرع بزوج آخر من الأحذية لطفل مُحتاج لحذاء في أحد البلدان الفقيرة.

هذا المبدأ الخيري يعتبره القائمون على “تومز” جزءًا لا يتجزأ ولا ينفصل عن عمل “تومز”، ولا يمكن وصفه –برأيهم- عملاً خيرياً أو جزءًا من المسؤولية الاجتماعية الخاصة بالشركات.

عملياً؛ فأنت كمستهلك لـ”تومز”، ستدفع قيمة زوجين من الأحذية، زوج لاستخدامك الشخصي، وزوجاً آخر ليرتديه طفل محتاج في بلد فقير. بل وتجاوز مايكوسكي حدود استخدام هذا المبدأ من دائرة الأحذية ليطبقه على كتابه الأول الذي أصدره، حيث جعل مقابل كل نسخة تُباع من الكتاب، كتاباً آخراً يُمنح لطفل محتاج في بلد فقير.

أيضاً؛ ومن باب الإنصاف، فإن “تومز” تقدم منتجات لن أقول بأنها مُبهرة، ولكنها جيدة وعملية ومبتكرة في ذات الوقت، بتصاميم عصرية وأنيقة، أي أنها –على الأغلب- تستحق الثمن الذي تدفعه لشراء زوج حذاء (تبدأ أسعار أحذية تومز من 40 دولار أي ما يعادل 150 ريال سعودي).

هذا المبدأ الذكي، مبدأ البذل لفعل الخير، هو الذي يجعلك تدفع أحياناً لشراء حذاء “تومز” دون أن يُصيبك ما يصيبك أحياناً من تأنيب ضمير حين تصرف مبلغ من المال لشراء حذاء قد تحتاجه أو لا تحتاجه، وذلك لأنك لم تشتر حذاءً فحسب، بل قمت بعمل طيّب أيضاً، فأنت تبرّعت بحذاء آخر لذلك الطفل الفقير الذي لا تعرف عنه شيئاً، ولا تعرف شيئاً عن تكلفة أو قيمة الحذاء الذي سيحصل عليه، ولكن القائمين على “تومز” يؤكدون لك دائماً بأنه لا يمتلك ما يكفيه لشراء حذاء، لذلك ستدفع دائماً لـ”تومز” بضمير مرتاح.

أجاد القائمون على “تومز” وعلى رأسهم بلاك مايكوسكي تسويق “تومز” بشكل ذكي للغاية، فحين تدقق النظر إلى المزيج التسويقي (Marketing Mix) لدى منتجات “تومز”، وتحديداً إلى جزئية الترويج (Promotion) فلن تجد –على الأغلب، أو هذا ما أجده- إعلاناً أو حملة تستهدف رفع المبيعات بشكل مباشر، حيث أنها تصب غالباً في تعزيز مفهوم الاهتمام بالفقراء وبذل الخير لهم عبر تزويدهم بأحذية، فقط أحذية دون الاهتمام بشيء آخر.

“تومز” فقط، هي من يقوم بحملة تعبّر عن نقيض ما تهدف إليه أي شركة تجارية، فلن تجد مطعماً على سبيل المثال يُروّج لحملة تدعو الناس إلى الامتناع عن الأكل، ولكن “تومز” فعلوها!

واحدة من أشهر الحملات التي قامت بها “تومز”، هي حملة “يوم واحد بلا أحذية (One Day Without shoes)” والتي تهدف إلى إشراك الناس في الإحساس بما يعاني منه الأطفال الفقراء الذين لا تتوفر لديهم أحذية، وبالفعل شارك الآلاف من الناس في هذا اليوم في مناطق مختلفة، عبر السير حفاةً ذلك اليوم في مسيرات وجماعات متفرقة.

بمعنى آخر، تلك الحملة كانت تقول: جرّب إحساس أولئك الأطفال الفقراء الذين يحتاجون حذاءً لارتدائه. بمعنى أدق: جرّب إحساس أولئك الأطفال الفقراء الذين سنقوم بمنحهم زوجاً من الأحذية، في حال قيامك بشراء زوجٍ من أحذية “تومز”! ألا تبدو الفكرة جهنمية؟

فإلى جانب وجود المنتج الجيّد، فإن “تومز” تمتلك عنصراً اجتماعياً ذكياً للغاية، يفسّر سر نجاح “تومز” ونموّها كعلامة تجارية رائدة في العالم، فهذا العنصر الاجتماعي تجده حاضراً كمكوّن رئيس في المزيج التسويقي لـ”تومز”، مما يخلق علامة فارقة في العلاقة التي تربط أي علامة تجارية مع جمهورها، حيث تغلغلت “تومز” في أعماق المكوّن الاجتماعي للإنسان واستفادت من دافع حب الخير لديه، مما جعل منه مسوقاً لها، وداعياً إليها، بل وجعلت وجود هذه العلامة مقترناً بالبذل والعطاء!

في أكثر من مرة استوقني بعض القائمين على جمع التبرعات للأعمال الخيرية أثناء وجودي في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان دافعهم في ذلك هو أنهم رأوني أرتدي حذاء “تومز”، وكان حديثهم دائماً يبدأ بشكري لأنني قمت بدعم فقراء أطفال العالم لأنني اشتريت حذاء “تومز”. بمعنى آخر: أصبحت علامة “تومز” قرينة للإنسان الطيّب المُحب للبذل في أعين الناس!

أستطيع أن أقول ختاماً؛ أن العنصر الأدهى والأذكى في “تومز”، هو أنها تدفع برسالة ذكية لدى المستهلك وتعززها في ذهنه، ومفادها هو: “افعل خيراً واشتر زوجاً من أحذيتنا”. ألا تبدو هذه الفكرة خليطاً تجارياً اجتماعياً مذهلاً؟ هذا ما أعتقده.

الوسوم
,

1 تعليق

  1. مالك عرقسوسي قال:

    فكرة أكثر من رائعة..
    ولفتة جميلة..

    للتنبيه: أحذية تومز تستخدم جلد الخنزير في الجلد الذي يكون أسفل القدم.
    وفي هذه التدوينة إثبات ذلك موقع الشركة.

    http://kaifii.com/2012/03/05/%D9%85%D8%B5%D9%86%D9%88%D8%B9%D9%87-%D9%85%D9%86-%D8%AC%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%86%D8%B2%D9%8A%D8%B1-toms-%D8%A7%D8%AD%D8%B0%D9%8A%D9%87/

اضف تعليق

*