الرئيسية » إدارة واقتصاد » كيف يقتل برنامج #نطاقات #المشاريع_الناشئة؟

كيف يقتل برنامج #نطاقات #المشاريع_الناشئة؟

إذا كنت تعتقد أن برنامج “نطاقات” الذي ابتكرته وأطلقته وأدارته –بنجاح- وزارة العمل، في ظل وجود صناديق الإقراض الحكومية المخصصة للمشاريع الناشئة، سيمنحك الفرصة الملائمة لبدء مشروعك الخاص، فعليك أن تراجع نفسك مجدداً.

نعم.. نحن نشهد هذه السنوات صيحة جديدة يُنادي بها العديد من المسؤولين والاقتصاديين ويتبناها عدد من المراكز والجهات الحكومية وشبه الحكومية والخاصة أيضاً، حيث ينادون كثيراً بدعم “المشاريع الناشئة” وتحفيزها للظهور والبدء، ويطلقون المؤتمرات هنا وهناك لتعزيز هذا المفهوم، وهذا أمر جميلٌ في مجمله وظاهره، ولكنه في ذات الوقت يثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام عند الخوض في تفاصيل ذلك.

فعلى الرغم من التبنّي الحكومي لبيئة المشاريع الناشئة ودعمها وتحفيزها، عبر صناديق الإقراض ومراكز التأهيل والإرشاد، إلاّ أنك ستجد في ذات الوقت النقيض من ذلك حين يتعلق بالأمر بالتنظيمات والتشريعات ذات العلاقة، وتحديداً عند وزارة العمل، ستكتشف حينها أنها وكأنما صُممت لوأد المشاريع الناشئة وإفشالها!

كمثال بسيط، افترض أنك رغبت بإنشاء مشروع بسيط برأسمال بالكاد يغطي التكاليف التي قمت بتحديدها في دراسة الجدوى وتوزيعها بدقة، ومن ضمنها الإيجار وتنفيذ الديكورات وشراء المعدّات وتجهيز المكان إلى جانب رواتب أربعة أو خمسة أشخاص سيعملون في هذا المشروع وبعض السيولة اللازمة لأغراض التشغيل.

وبعد أن أعددت هذه الدراسة، وبدأت أول خطواتك التنفيذية والتي تبدأ لدى وزارة التجارة عبر استخراج السجل التجاري وشهادة اشتراك الغرفة، ستسعد بسرعة إتمام هذه العملية التي تتم بالكامل إلكترونياً حتى تصلك أوراقك إلى موقعك وكل ذلك لا يستغرق أكثر من 48 ساعة.

ستتجه بعد ذلك –على الأرجح- إلى البدء في تجهيز موقع هذا المشروع وشراء المعدات وخلافه والبدء في إجراءات العمالة لدى مكتب العمل، والذي سيخبرك بأنه عليك في البداية أن تقدّم رخصة البلدية، في حين أن البلدية ستخبرك بأنك تحتاج إلى الانتهاء من أعمال تجهيز موقعك بشكل كامل لإعطائك الرخصة، وبعد أن تنتهي كافة الأعمال وتتقدم لطلب رخصة البلدية وتحصل عليها –على افتراض حصولك عليها بسرعة ودون أي إشكالات-، فستتجه حينئذٍ إلى مكتب العمل لبدء إجراءات الاستقدام على الرغم من كونك جاهز بشكل كامل للبدء في تنفيذ العمل!

حينها، ستتفاجأ برد مكتب العمل الذي سيخبرك بأنه لن يتم النظر في أي طلب استقدام لأي منشأة تم إنشاؤها بعد إطلاق حملة التصحيح التي بدأت في 25/6/1434 (الموافق 4/6/2013) قبل 3 أشهر من تقديمك للطلب، وبعد انتهاء الثلاثة أشهر سيدخل طلبك ضمن بقية المعاملات التي ينتظرها الباحثين الخاصين بوزارة العمل ليتخذوا القرار في طلبك.

أيضاً؛ وبحسب نظام “نطاقات” فينبغي عليك قبل التقديم على مكتب العمل توظيف شخص سعودي واحد على الأقل وذلك لكي يتم احتسابه كموظف سعودي كامل (يستلزم نظام نطاقات إكمال فترة 3 أشهر عن كل موظف سعودي جديد ليتم احتسابه كموظف سعودي واحد)، الأمر الذي يعني صرف راتب قبل بدء العمل بدون أي مبررات منطقية لفترة ستتجاوز 3 أشهر!

بعد كل ذلك، وبعد أن قمت بالمسوغّات النظامية اللازمة، فأغلب الظن أن الباحث الخاص بإصدار قرار منحك للتأشيرات، لن يُلبي لك كافة الاحتياج المطلوب بحجة إمكانية أن تقوم بنقل كفالة عامل آخر من شركة أو مؤسسة أخرى، الأمر الذي سيدخلك في دوامة جديدة وأنت لا تزال تدفع قيمة استئجار الموقع المعطّل والراتب الموظف المعطّل ووقتك المعطّل و”الحسّابة بتحسب”!

حسناً؛ لن أرمي بكافة النقد على وزارة العمل وأنظمتها التي أقرّ جداً بأنها ساهمت في خلق “موظفين” جدد وعطّلت “أصحاب أعمال” جدد، بل أوجه جزء من ذلك لصناديق التسليف التي تضع سلسلة اشتراطات قد تبدو للوهلة الأولى “منطقية” وحين تدقق عليها ستكتشف إنها غير ذلك تماماً، فهي في حقيقة الأمر لا تنطبق إلاّ على شخص عاطل عن العمل ولا توجد لديه أعمال خاصّة، وقد يكون الحافز الأكبر لديه عند التقديم هو عدم مقدرته على العثور على الوظيفة الملائمة، وليس رغبته في ابتكار “عمل” جديد!

أنا هنا لا أنتقص من قدر من تنطبق عليهم شروط صناديق التسليف، بل أعتقد بأنه من المفترض أن تكون هذه الصناديق فرصة جيّدة للكفاءات السعودية العاملة في القطاع الخاص للانتقال من وظائفهم إلى أعمالهم الخاصة، وإتاحة الفرصة لغيرهم في سوق العمل الخاص، وهؤلاء باعتقادي هم أقدر على إدارة أعمالهم الخاصة بنجاح أكبر وكفاءة أعلى من واقع خبرتهم وتجربتهم، مع الحفاظ على استقرارية جيّدة لهم، فمن الصعب أن يقوم موظف “ناجح” بترك وظيفته “الجيّدة” من أجل التقديم على صناديق التسليف المخصصة للمشاريع الناشئة دون تدرّج منطقي يكفل له الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي على المستوى الشخصي.

على أيّة حال؛ يبدو أن على الرغم من البهرجة والبهللة التي تحيط بأجواء “ريادة الأعمال” ودعم المشاريع الناشئة، إلاّ أن التنظيمات الجديدة التي تشرف عليها وزارة العمل في ظل تغاضي وزارة التجارة والصناعة، تسعى بقوّة لمنع دخول أي مشروع ناشئ جديد، وتترك الفرصة للكبار فقط، إمّا من أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة القادرين على تحمّل تحديات النظام وتعطيله، أو من أصحاب المشاريع السابقة الذين لا يتعرضون للإشكالات التي يتعرض لها أصحاب المشاريع الجديدة الناشئة.

وفي ظل ما يظهر لنا من دعم وتحفيز لملف المنشآت الصغيرة والناشئة من قبل العديد من القطاعات –باستثناء وزارة العمل التي تعمل على التيار المعاكس- إلاّ أنه لا يظهر لنا أي شيء على أرض الواقع من النواحي التنظيمية، وبرأيي الشخصي فإنه من واجبات وزارة التجارة والصناعة، كراعي رئيسي للبيئة التجارية في البلاد، أن تقوم بتبنّي هذا الملف على الصعيد التنظيمي بكافة ما يلحق به من شؤون العلاقات الحكومية كالاستقدام ونحوه، بحيث تحتضن المشروع الناشئ حتى يتجاوز طور الحضانة الطبيعي لأي مشروع جديد وناشئ.

وباعتقادي الشخصي، فإنه في ظل تطور نظم المعلومات والبُنى المعلوماتية التحتية التي تشهدها قطاعات البلاد المختلفة –وعلى رأسها وزارة العمل-، فمن الممكن السيطرة على أي تصرف تخشاه وزارة العمل أو وزارة التجارة (كالتلاعب في التأشيرات أو التستر التجاري) التي قد تنشأ جرّاء تسهيل إجراءات المشاريع الناشئة.

إن طبيعة المشاريع الناشئة التي تقوم برأس مال محدود وبسيط، ويقوم عليها صاحب رأس المال هذا –وليس مستثمرين-، تُراعي صرف كل ريال في محله الطبيعي، ولا تتحمل حدوث الاحتمالات اللانهائية التي تنشأ جرّاء بعض التنظيمات الحكومية، حيث ينتج عنها غالباً هدر مبالغ كبيرة قد تؤدي إلى وأد المشروع قبل أن ولادته.

أيضاً؛ فإنه من المهم جداً أن يكون تركيز صاحب المشروع الجديد والناشئ على بناء عمله وإدارته وتشغيله وتطويره بأفضل شكل، بدلاً من أن ينصّب على البحث عن أفضل “المعقّبين” وأصدقهم، أو مراجعة مكاتب وزارة العمل، أو البحث عن العمالة التي يريد كفلاؤهم الاستغناء عنهم بمقابل أو بدون مقابل.

أنا لا أنكر أبداً الدور العظيم الذي قامت به وزارة العمل في السعودة وإحلال السعوديين في القطاع الخاص، ولكنها في الوقت ذاته أراها سعت لتوطين الوظائف من ناحية، ومن ناحية أخرى سعت إلى تحجيم فرص نشوء المشاريع الجديدة التي ستخلق بدورها وظائف جديدة للسعوديين، وكبّلتها بشكل كبير جداً، في ظل تراخي وزارة التجارة التي كان من المفترض أن تمارس دوراً فاعلاً في تهيئة بيئة الأعمال عموماً والمشاريع الناشئة على وجه الخصوص.

أخيراً؛ أحب أن أذكّر بأنه قبل عام ونصف وافق مجلس الشورى السعودي على مشروع نظام هيئة مستحدثة يفترض أن تمارس دور الاعتناء بالمشاريع الناشئة وتطوير بيئتها وهو نظام الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، وحتى هذا اليوم لم نرَ طحيناً، ولم نسمع حتى جعجعة.

الوسوم
, , ,

اضف تعليق

*